الثعالبي
376
جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي )
وقوله تعالى : ( فعدة ) ، أي : فالحكم أو الواجب عدة ، وفي وجوب تتابعها قولان ، و ( أخر ) لا ينصرف للعدل . وقوله تعالى : ( وعلى الذين يطيقونه فدية . . . ) الآية : قرأ باقي السبعة ( 1 ) غير نافع وابن عامر : " فدية " ، بالتنوين " طعام مسكين " ، بالإفراد ، وهي قراءة حسنة ، لأنها بينت الحكم في اليوم . واختلفوا في المراد بالآية ، فقال ابن عمر وجماعة : كان فرض الصيام هكذا على
--> أفطره ، بأن كان مديم السفر ، فلا يباح له الفطر ، لأن إباحة الفطر في هذه الحالة تؤدي إلى إسقاط الفرض بالكلية ، نعم ، لو قصد القضاء في أيام أخرى من أيام سفره ، جاز له الفطر ، ولا فرق في جواز الفطر للمسافر بين أن يكون بأكل أو نحوه ، كجماع ، وغير ذلك . ومتى أفطر المسافر وجب عليه القضاء دون الفدية ، ثم إنه إذا قدم المسافر ، أو برئ المريض ، وهما مفطران استحب لهما إمساك بقية النهار ، لحرمة الوقت ، ولا يجب عليهما ذلك ، لأنهما أفطرا بعذر . ويندب لهما إذا أكلا ألا يأكلا إلا عند من يعرف عذرهما ، لخوف التهمة . وإذا قدم المسافر ، وهو صائم ، أو برئ المريض وهو صائم ، ففي جواز إفطاره وجهان . أحدهما : أنه يجوز لهما الفطر ، وبه قال ابن أبي هريرة ، لأنه أبيح لهما الفطر من أول النهار ، فجاز لهما الإفطار في بقية النهار ، كما لو دام السفر والمرض . وثانيهما : لا يجوز لهما الإفطار ، وهو قول القاضي أبي الطيب وجمهور الأصحاب ، لأنه زال سبب الرخصة قبل الترخص . واعلم أنه لا يباح الفطر في شهر رمضان بسبب من الأسباب المتقدمة ، ألا إذا نوى المفطر الترخص بفطره ، بأن يقصد أن الشارع رخص له الفطر ، وذلك ليحصل الفرق ، والتمييز بين الفطر الجائز والفطر الممتنع . فلو أفطر بدون النية المذكورة حرم عليه الفطر ، وأثم به . ( 1 ) وأما قراءة نافع وابن عامر ، فهي " فدية طعام مساكين " ، وحجتهما في الإضافة أولا : أن الفدية غير الطعام ، وأن الطعام إنما هو المفدى به الصوم ، لا الفدية ، فإذا كان كذلك فالصواب في القراءة إضافة الفدية إلى الطعام . وحجة الجمع أيضا : قوله قبلها : ( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم ) ، ثم قال : ( أياما معدودات ) قالوا : إنما عرف عباده حكم من أفطر الأيام التي كتب عليهم صومها بقوله : ( أياما معدودات ) ، فإذا كان ذلك كذلك فالواجب أن تكون قراءة في " المساكين " على الجمع لا على التوحيد ، ويكون تأويل الآية : وعلى الذين يطيقونه فدية أيام يفطر فيها إطعام مساكين ، ثم تحذف " أياما " وتقديم " الطعام " مكانها . ينظر : " حجة القراءات " ( 124 - 125 ) ، " السبعة " ( 176 ) ، و " والكشف " ( 1 / 282 ) ، و " الحجة للقراء السبعة " ( 2 / 273 ) ، و " شرح الطيبة " ( 4 / 91 ) ، و " معاني القراءات " ( 1 / 192 ) ، " شرح شعلة " ( 284 ، 285 ) ، و " العنوان " ( 73 ) ، و " إتحاف فضلاء البشر " ( 1 / 430 ) .